الشيخ محمد جميل حمود
128
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
الروحية ، مع فرق بين الاثنين ، ففي مسألة عالم الجن فالأمر متاح لكل من طرق باب الولوج إليهم من دون تدخل اللطف الإلهي ، وإليه يشير قوله تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ( الجن / 7 ) . أما بالنسبة لعالم الملائكة فإنّ ثمة منزلة روحية ينبغي عروج الروح إليها كي يمكن خوض عبابه ، ومن هذا القبيل ما ورد في قصة بلعم بن باعورا حيث سبق له أن ترقّى روحيا إلى منزلة الملائكة ولكنه أخلد إلى الأرض فسقط منها قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( الأعراف / 176 ) . فالانسلاخ من الآيات يشير إلى أنه وصل إلى منزلة تمكّن فيها من أن يحصل على معين من لطف اللّه آتَيْناهُ آياتِنا ولكنه خرج من هذه المنزلة فأتاح للشيطان أن يغويه . من خلال هذا السرد البسيط لما يتحلى به الجن من قدرات خارقة نستنتج وجود ولاية تكوينية لهم بالمقدار الطبيعي المحدّد من قبل الذات الإلهية ، وهم مع ذلك يعتبروا أدون درجة من العوالم الإنسية ، فبطريق أولى يثبت هذا الشيء لبعض الإنس إذا ارتاض بالرياضيات الروحية اللازمة لذلك ، ( لأنّ شأن الولاية التكوينية شأن اكتسابي يمكن أن يناله كل إنسان إن عرف طريقه إلى ذلك ، وهي - أي الولاية المذكورة - لا تختص بنبيّ أو وصي فحسب ، وإنما هي متاحة في حدودها الأولية المرشحة للتنامي لكل إنسان ، وتزداد وتقلّ حسب المنزلة التي يرقى إليها الإنسان أو يتقهقر عنها ) « 1 » . وأما الثاني : أي قدرات بعض الإنس الخارقة . وهؤلاء ينقسمون إلى صنفين : الصنف الأول : ويختص بالأنبياء والأوصياء عليهم السّلام .
--> ( 1 ) الولاية التكوينية : ص 80 .